صاَحِبُ القَصْرِ وصديقُهُ القديمُ
في مكانٍ بعیدٍ بعید .ٍ.على قِمَّةِ ربَوَْةٍ خَضرْاَءَ عالیة،ٍ مُحاَطةٌ غالباً
بِسُحُبٍ بیَْضاءَ مثلَ ثلجٍ ناَصِع .ٍ.متُوََھِّجٍ تَحْتَ ال شَّمْ س،ِ يكادُ متأملٌ
يُسْحرَُ بِمَرأَْى سَماءٍ تَحتَْضِنُ ربوةً بِحنُُوٍّ وسَكیِنَْة .ٍ.يَشْعرُُ فِي
اللیَّاَلي بِقُدرْتَِهِ علََى لَمْ سِ نُجُومٍ مرُتَْجِفَة،ٍ تبدو من ھاھنا دانیةً
مثلَ ثِمَارِ شَجرٍَ..يكادُ عابرٌ في عتَْمَةِ (ظلُْمَةِ)درُوبٍ طويلةٍ لا
يَحتْاجُ ضوَءُْ قنِْديِلٍ أوَ شُعاَعُ سرِاَجٍ..
ھنُاَكَ..حیثُ ينامُ قمرٌ وتغفو عصافیرٌ دونَ خَوْفٍ مِنْ صَیاَّدٍ يأَتیھا
بغَتَْةً (فَجأْةً)..تسیرُ أرانِبُ بِخُشوعٍ آمنٍ في جِوارِ ثعالب،ٍ وترَقُْدُ
( تنَاَمُ)حِمْلانٌ قرُْبَ ضبِاعٍ..
ھنُاكَ..
في أعلى سنَامِ الربَّْوةِ قصرٌ حَجرَيٌّ قديمٌ..
قرَْمیِْدٌ سقفهُ..صَخرٌْ جُدرْانُهُ..عالٍ جبینُهُ.مرُتَْفِعَةٌ ھامتَُهُ..
منَارتَُهُ تَخرِْقُ الفضاء،َ ترَْمِي بِشِباَكِھا حیثُ تسكبُ أنواراً بِھیَبَْةِ
شموخ،ٍ بلا استْئِْذاَنٍ..
يُطِلُّ القَصرُْ ببَِھاءٍ باھرٍِ على حَ دائقَ وتِلالٍ ووَدِيْانٍ ومُروج .ٍ.معُلْنِاً
نَفْسَهُ حارِساً أمیناً للوحةٍ فنیةٍ طبَیِعیَِّةٍ ساَحرَِةٍ مبُْدِعَةٍ صاَفیَِةٍ..
وفي أيامٍ شتوية .ٍ.وقتما تتََكَدرَُّ سماءٌ ( يتغیرُ لونُھا ) ، تغیبُ مناراتُ
القصرِ الشامخةِ للِْعُلا بینَ غیومٍ متَُكَدِّسَةٍ كَق طُْنٍ حاَلِكٍ (شَديِدِ
السوَّادِ)تتََدلََّى مِنْ فوَْقٍ إلى تَحْت،ٍ تتََمَددَُّ مِنْ أسفلٍ إلى أعلى ..
تبدو تِلالاً قُطنْیَِّةً تنَْحَدرُِ بِقوَُّةٍ.
سیَِّدُ القَصرِْ وَصاَحبُِهُ لاَ يَستَْسلِْمُ لِجبَرَوَتِ طبیعةٍ..
يأَبَْى أَستْاَرُ شتاءٍ تَحجبُ أنواراً مرُْسلََةً جذباً لتائھینَ ضائعینَ فِي
عتمةِ لیل .ٍ.يطلبھُمْ حثیثاً (سريعاً)كما يطلبُ سراجُ نورٍ فراشاتٍ
ھائمةٍ ترنو ( تَحِنُّ)لدفءٍ وقبََ سٍ (شُعلَْةُ ناَرٍ)مِن أَمَلٍ.
عنِْدَھا يَستْنَْفرُِ خَدَمُ القَصرِْ وَعَسَسُهُ (حرُاَّسُه )ُ ، ينَْطلَِقُونَ بِأَمرِْه ،ِ
يزَرَْعُونَ قنََاديِلاً علََى أَطْراَفِ الربَّْوةَ .ِ.فِي زوَاَيَا طرُقَُاتٍ وَدرُوب،ٍ
إِسعْافاً ( إنقاذاً)لعِاَبرِي لیَْلٍ كَالِحٍ (مُتَجَھِّمٍ عَابِ س )ٍھدياً لتائھینَ
تَحْتَ لَطْمِ عوَاَصِف .ٍ.دَعْوَةً لِمُشَردَّيِنَ بَاحثِیِنَ عَنْ مَأوَْى (ملجأ )ٍ
دافىء،ٍ يلَوُذوُنَ بِهِ ( يَحتَْمُونَ بِه )ِ، يَقِیْھِمْ سِیاطُ بَردٍْ وبَلََلُ شِتاَءٍ
وقَرَْصَةُ جوُْع .ٍ.وَمَنْ يَعْرف جوع يعرف أن قَسَاوتَه فِي بَردٍ أشدّ
وأمر..
القَصرُْ واَسِعٌ واَسِع،ٌ غرُفَُهُ كثَیِرةٌ كثَیِرة .ٌ.تُحیطُهُ بَسَاتیِنٌ مُمتَْدةٌَّ
تنَتَْھِي حیَْثُ ينَتَْھِي البَصرَُ..مئِاَتُ العُماَّلِ يَعْملَوُنَ دوُْنَ ملََلٍ..
يزَرَْعُونَ أنواعاً مِنْ أَشْھَى فاَكِھةٍ وخُضْراَواَت .ٍ.أرَْضُ الربَّْوةَِ خَصْبَةٌ
خَصْبَة،ٌ لاَ تبَْخَلُ بِشَيءٍْ مِمَّا فِي أَحْشَائِھا ( بَطنِْھا)، لاَ تَحتَْاجُ
سَماداً و لَاَ جُھْداً كبَیِرا،ً ماَءٌ يَسیِلُ حولَھا مِنْ كُلِّ صوَْب،ٍ عشبٌ ضارٌ
لاَ ينَبَْتُ بِھاَ ..ترُاَبُھَا نَظیِف .ٌ.فاَكِھتَُھَا لَذيِذَة .ٌ.كُلُّ مَا علَیَْھَا يَعْجَزُ
واَصِفاً عَنْ وَصْفِهِ وَساَحرِاً عَنْ سِحرْهِِ وفَنَاَّناً عَنْ فنَِّهِ وَشَاعرِاً عَن شعِرِْهِ..
فِي الربوةِ حرََكَةٌ داَئبَِةٌ (جاَدةٌّ منُْھَمِكَة )ٌ، أَعْماَلٌ مُستَْمرَِّةٌ لا تتَوَقََّف .ُ.
مثِْلَ خلَیَِّةِ نَحْلٍ أوَ ثَكنََةِ جیَْ ش .ٍصاَحِبُ القَصرِْ ھَادىءٌ رزَيِنٌ (حلَِیمٌ
وقورٌ رصینٌ)..لَطیِفٌ فِي تعَاَملُِه،ِ وَھُوَ داَئِماً سَعیِ دٌ مبُتَْسمٌ
بَشوُشٌ..عُماَّلٌ يُحبِوُّنَه .ُ.أزَْھاَرٌ..أَشْجاَرٌ..فرَاَشاَتٌ..حتََّى حیَوَاَنَاتُ
الزرَاَئِبِ (حَظیِرةُ الْماَشیَِةِ)عنِْدَماَ تَشُمُّ راَئِحتََهُ تُطلِْقُ أَصْواَتاً تَدُلُّ
علََى رِضًى وحبورٍ (سرورٍ).
كُلُّ مَنْ فِي القَصرِْ يُقلَِّدُ السیِّد الكرَيِمَ..حرََسٌ..خَدَمٌ..حاَشیَِة.
ھوَُ لاَ يُفرَِّقُ بیَنَْھُمْ..عَلاَ شأَْنُ أَحَدِھِمْ أوَِ انْخَفَضَ..
كُلٌّ متَُساوونَ سوَاَسیَِة،ً وأََكثْرَُ مِنْ ذلَِك،َ يُسَاويھم بنَِفْسِه،ِ فِي
مَشرَْبٍ وَمأَْكَلٍ وَملَبَْ س،ٍ طَعاَمُھُمْ طعامُه ،ُ ثیِاَبُھُمْ ثیِاَبُه،ُ لو شَاھَدتَْهُ
برِفِْقتَِھِمْ ماَ فرَقَّْتَ بیَنَْھُمْ وبَیَنَْهُ..
لاَ يبَْخَلُ علَیَھِمْ بِعَطاءٍ..لاَ يُھیِنُھُمْ..لاَ يُكلَِّفُھُمْ ماَ لاَ يُطیِقوُنْ..
علََى ھَذهِِ الحالْ عاَشَ ساَكنِو القَصرِْ بوِئِامٍ وَسَلامٍ وَمَحبََّة ،ٍ عاَشُوا
دوُنَ أَنْ تُكَدرَِّ صَفوَْ حیَاَتِھِمْ شاَئبَِةٌ (علَِّةٌ).
مرََّتْ أيَاَّمٌ ھنَیِئَةٌ سعَیِدةٌ..لیَْ سَ فیِھاَ ماَ يُقلِْقُ مِنْ مزُْعِجاَتٍ..
توَاَلَتْ سنونٌ وأَياَّمٌ آمنةٌ مُستَْقرَِّةٌ..
كبَرَُ سیَِّدُ القَصرْ .ِ.وبَلََغَ أولادُهُ الثلاثة :ُرُسْتم، حَمْزة، تیَْمُور سِنَّ
فتُوَُّةٍ وَشبَاَبٍ..
ساَرَ الأبَنَاْءُ علََى منِوْاَلِ ( أُسلوبِ)أبَیِھِمْ..عَملِوُا بأِيَديھِم،ْ لَمْ يُمیَزِّوُا
أنَْفُسَھُمْ عَنْ غیَرِْھِمْ مِنْ عُماَّلِ القَصْرِ وزَاَرِعِي حَداَئِقِه .ِ.لَمْ يَكُنْ
زاَئرٌِ يُفرَِّقُ بیَنَْھُمْ وبَیَْنَ أَصْغرَِ عاَمِلٍ فِي القَصرِْ..
عَاشَ الجَمیِعُ أيََّامَھُمْ بِھُدوُء .ٍ.يتَزَوََّجُونَ..يتََعلََّمُونَ..يزَرَْعُونَ..
يَحْصُدوُنَ..كاَنَتْ أَعْداَدُھُمْ تَزدْاَدُ إِمَّا بِأوَْلادٍ جُدُدٍ أوَ بِعُمَّالٍ جُدُد .ٍ.
وكَاَنَ صَاحِبُ الق صَْرِ يبَنِْي لِعُماَّلِهِ بیوتاً حولَ قصرِهِ تبَْدوُ للراَّئِي
( للناَّظرِِ)قصراً مُصَغرَّاً عَنْ قَصرٍْ كبَیِر .ٍ.لَمْ يَفْعَلْ ذلَِكَ إبِعْاَداً لَھُمْ عَنْ
قَصرْهِِ..بَلْ لأَنَّ قَصرْهَُ ضاقَ بِساَكنِیِهِ كَماَ إنَِّهُ أرَاَدَ لَھُمْ أَنْ يَسْتَقلِوُّ ا
ببِیُوتٍ خاَصَّةٍ ويََعیِشوُا حیَاَةً طبَیِعیِةً..
سیَِّدُ القَصرِْ متُزَوَِّجٌ مِنْ زَمَنٍ بَعیِد .ٍ.لَكِنَّ أحداً لا يعرفُ زوَْجَه .ُ.لَمْ
تَكُنْ تَظْھرَُ على ناسٍ أبََداً..وَحتََّى علََى نِساَءِ كبارِ مُعاَونِیِْهِ..
طلَبََتْ بعَْضُ نِساَءٍ إِذناً بزِيِاَرتَِھا..كاَنَ طلَبَُھُنَّ يرُدَُّ داَئِماً بلُِطْفٍ بالغٍ.
كُنَّ يتََعَجبَّْنَ مِنْ ھذا السرِّ،ِّ يتََساَءلَْنَ عَنْ سرِِّ سیَِّدَةِ القَصرِْ التَِّي لا
تَخرُْجُ مِنْ جنَاَحِھاَ وَلاَ يعَرْفُِھا أَحَدٌ..
ومعْ مُضِيِّ الأياَّمِ خبَاَ (خَف،َّ بَھَت )كُلُّ حديثٍ عنَْھَا وكََادَ النَّاسُ
ينَْسوُنَ وجُودَھا ولََمْ يَعُدْ كلامٌ عنَْھَا راَئِجاً (سَائِدا )ً.وفي لیلةٍ
صیَْفیَِّةٍ..
في وقتٍ متُأََخرٍِّ..
انْعَدَمَتْ فیِهِ أَصْواتُ البرَيِّةِ ( المَخلْوُقاَتِ)واَلنَّساَئِمُ الساَّكنَِة.
لَمْ تَكُنْ تُسْمَعُ أَصوْاَتُ طیُوُرٍ وَحَشرَاَتٍ..
شَقَّ صَمتْاً بديِعاً (رائعاً)صرَْخَةٌ مثِْلَ صَاعِقَةٍ مُدوَيِّة .ٍ.انْفَجَرَتْ مِنْ
ذاَكَ الجناحِ المنَْسِيِّ..المُحرََّمِ على ساكنِي القَصرِْ وحدائِقِهِ..
صرَْخَةٌ واَحِدَةٌ كاَفیَِةٌ لتُِوقِظَ الجمیع ..أَشَاعَتْ رُعبًْا وَخوَفًْا وَھلََعاً
(شِدةَُّ فزََعٍ)..
صرَْخَةٌ يتَیِمَةٌ جعَلَتَْھُمْ يَخرُْجوُنَ مِنْ بیُوُتِھِمْ فِي ثیِاَبِ نوَْمٍ..
يعَدونَ ( يركُضونَ)نَحوَْ القصرِ ھلَِعیِنَ خاَئِفیِنَ فزَِعیِنَ..
الصوتُ انبعثَ (ھب،َّ تدفَّق )َمِنَ الجنََاحِ المُحَرَّم،ِ صَاروُا ي تََھیَبَُّونَ
( يَحْذرَوُنَ)مِنْ نبَأٍَ جلََلْ (عَظیِمْ).ياَ ترََى ماَ ھَذاَ الخَطْبُ ( المَكْروُه )ُ
الكبَیِرُ واَلموَقِْفُ الخَطیِرُ الذي حَداَ (دفََعَ) سَیِّدَ القَصْرِ للِْصُّراَخِ بِھَذاَ
الشَّكْلِ المرُيِعِ ( المُخیِفِ)؟؟؟
ترَقََّبَ الناَّ سُ أَماَمَ القَصرِْ..لَمْ يَجرْؤْ واَحدٌ منِْھُمْ علََى دُخوُلِهِ..
كاَنوُا يَسْمَعوُنَ صَوْتَ نَشیِجِ ( بُكاَءِ) سیَِّدِھِم،ْ لَكِنْ يَستَْحیِْلُ علََیْھِمْ
دُخوُلَ الجنَاَحِ المُحرََّمِ..
ظلَوُّا واَقِفیِنَ يتَرَقَبَّوُنَ ساعاتٍ..
عیُوُنُھُمْ مَشْدوُدةٌ إلَِى نوَاَفِذِ القَصرْ..
انِتَْظرَوا حتََّى بَدأََتْ أَشِعَّةُ شَمْ سٍ تتََكوََّمُ بَعیِداً ثُمَّ تتََسَلَّلُ مِنْ ورَاَءِ
أَكَمَةٍ (مرُتَْفَعٍ)بَعیِدةٍ..ورَاَحَ ضوَءٌْ ينَبَْسِطُ ( ينَتَْشرُِ)غاَمرِاً تلالاً ووََديِانَ
وَسُھوُلاً...
لَكنَِّھُمْ ظلَوُّا مُسَمرَّينَ ( ثاَبتِینَ)فِي أَمَاكنِِھِم،ْ كَأَنَّ الحیََاةَ توَقََّفَتْ
عنِْدَ صَرْخَةٍ شَقَّتْ عنََانَ سَماَءٍ (ما ظھرَ منھا إذا نظرنا إلیھا ) ،
صرَْخَةٌ ماَ تزَاَلُ تتَرَدََّدُ فِي آذاَنٍ مُضْطربَِةٍ ترََكَتْ أثَرَاً فِي وُجوُهٍ واَجِمَةٍ
(عاَبِسَةٍ مِنْ شِدةَِّ ھَمٍّ).
عنِْدَ ارتِْفاَعِ قُرْصِ الشَّمْ س،ِ شَعرََ النَّا سُ بِحرَكََةٍ مرُيِبَْةٍ (مُشْتبََهٌ
فیِھاَ).
ترَقَبَُّوا..أرَْھَفوُا (رَكزَّوُا)أَسْماَعَھُمْ.
تَسلَلََّتْ خاَدِمَةٌ صَغیِرْةَُ السنِّ..
سلََكَتْ أبَوْاَباً خلَْفیَِّةً للِْقَصرْ،ِ نَقلََتْ إلِیَْھِمْ نبَأًَ (خبراً):
سیَِّدَةُ القَصرِْ ماَتَتْ... سیَِّدةَُ القَصرِْ ماَتَتْ..
تعَاَلَتْ أَصوْاَتُ بُكاَءٍ...دُموُعٌ تَساَقَطَتْ..بَكوُا كأََطْفاَلٍ صغِاَرْ..
تعَاَلَتْ أَصوْاتُ بُكاَءٍ مَعْ أَنَّ أَحَداً لَمْ يرََ وَجْهَ المیَتَِّةِ فِي حیَاَتِه،ِ كاَنَتْ
لغُزْاً مُحیَرِّا،ً مثِلَْماَ ھوَُ موَتُْھاَ الآنْ..
مَعْ ذلَِكَ تأَثَرَّوُا حُبا بِسیَِّدِ القَصرِْ وأَبَنْاَئِه .ِ.رفََعوُا أَكُفَّ صَلوَاَت .ٍ. سَألَوُا
اللَّهَ لَھاَ الرَّحْمَةَ..
انَتَْظرَوا تَشیْیعَ میَِّتْ..
ترَقَّبُوا خرُوُجَ جثَُّةٍ لیَِدفْنُُوھا ويَُقیِموُا لھا واَجِبَ عَزاَءٍ كبَیِرٍ يلَیِقُ بِھَا
وبَزِوَْجِھاَ..
مَضَى وقَْتٌ..لَكِنَّ جثةً لَمْ تَخرُْجْ..
طاَلَتْ غیَبَْةُ سیَِّدِ القَصرِْ وأَبَنْاَئِهِ..
انتَْظرَوُا النَّھاَرَ كلَُّه .ُ.تَعبِوُا..جَاعوُا ..لَكِنَّھُمْ ظلَُّوا واَقِفِینَ منُتَْظ ريِنَ
متُرَقَبِّینَ..
أتََى المَساَءُ ثَقیِلاً..
عاَدوُا إلَِى بیُوُتِھِمْ قَسرْاً (مرُْغَمیِنْ)..
فِي صبَاَحٍ باَكرٍِ تاَلٍ..خرََجَ الأبَنْاَءُ كعَاَدتَِھِمْ كأََنَّ شیَئْاً لَمْ يَكُنْ..
توََجَّھوُا لعَِمَلٍ مَع عُماّلٍ دوُنَ أَنْ يتََكلََّموُا كلَِمَة واَحِدَة .ً.كَماَ أَنَّ أَحَداً
لَمْ يَسأَْلْ سؤُاَلاً واَحِداً..
انْصرََفَ عُماَّلُ البَساَتیِنِ واَلحَداَئِقِ والزرَّاَئِبِ..كُلٌّ يَعْمَلُ عَملََهُ..
تبَاَدلَوُا نَظرَاَت..
ترَقَبَُّوا خرُوُجَ سیَِّدِھِمْ..لَكنَِّهُ لَمْ يَظْھرََ طوَاَلَ الیَوْمِ..
مضى يوَْمٌ..يوَْماَنِ..ثَلاثََةٌ..أيَاَّمٌ وأَيَاَّمٌ..
الحاَلُ بَقیَِتْ علََى ماَ ھِي علَیَْهِ.. سیَِّدُ القَصرِْ غاَئِبٌ عَنْ مزَاَرِعِهِ..
بعَْدَ أيَاَّمٍ..
وفَِي يوَْمٍ شَديِدِ قَیْظٍ (حَر )ٍّ..ودَوُنَ توَقَُّع،ٍ ظَھَرَ سَیِّدُ القَصْرِ راَكبًِا
فرََساً أَسودَ ضَخْما .ً.يَحْمِلُ بیَِمیِنِهِ سوَْطاً رآهُ عُماَّلُهُ لأوََّلِ مرَةَّ .ٍ.لَمْ
يَكَدْ ھؤلاءِ يَروُنَ سَیِّدَھُمْ حتََّى توَقََّفُوا عَنِ العَمَلِ وركضوا نَحْوهَُ
بِسعَادَةٍ عَفوَيَِّة،ٍ فاَنْھالَ علَیَْھِمْ بِسوَْطِهِ ( أوَْسَعَھُم ضرَبْا )ً، وَش تََمَھُمْ
ساَخِطاً آمراً باِلعوَدَْةِ إلى عَملَِھِمْ..
تغَیَرََّتْ أَحوْاَلُ صاَحِبُ القصرِ رأَْساً علََى عَقِب .ٍ.وبدا وَجْھُهُ قبَیِحاً
دَمیِماً..
تبََدَّلَ مِنْ إنِْساَنٍ طیَِّبُ قلَْبٍ ھاَدِىءُ طبَْعٍ ودَوُدٌ إلَِى شَرِسٍ عنَیِفٍ
قا سٍ سیَِّيءْ..
أولادهُُ:رُستُْم حَمزْة تیَْمُور نَالَھُمْ أكَثَْرُ مِمَّا نَالَ غیرھم من أقبحِ
الأوَْصاَفِ..
ازدْاَدَتْ تَصرَفُّاَتِهِ سوءاً يوماً بَعْدَ يوَْمٍ..وكَأَنَّ روحاً شرَيِرةً تلَبََّستَْهُ..
تعََجَّبَ الجَمیِعُ مِماَّ يحدُث .ُ.لَمْ يجرؤْ أَحدٌ علََى صَدهِِّ (منَْعِهِ)، حتََّى
أوَْلاَدهُُ طَردََھُمْ مِنَ القَصْرِ.. سَكنَوُا بیُوتَ عُمّالٍ..لَمْ يعَتْرَِضُوا..
تَحَملَّوُا تَصرَفُّاَتِهِ تقديراً للصَّدْمَةِ الھاَئلَِةِ التَِّي ألََمَّتْ بِهِ بوِفََاةِ زوَْجِهِ
التَِّي كاَنَتْ سبََبَ سعادةٍَ وفرحٍ تلیدٍ (قديمٍ) ، فكان مَوتُْھا شرارةَ ناَرٍ
أوَقَْدَتْ نارَ قلَبِْهِ وأََحرْقََتْ كُلَّ شَيءٍ جَمیِلٍ فِي نَفْسِهِ.
وَمرََّتْ أيَاَّمٌ..كاَنَتْ تَصرَفُّاَتِهِ تزَدْاَدُ ثِقْلاً يوَْماً بَعْدَ يوَْمٍ..
داَرَتْ أَخبْاَرُ القَصرِْ مِنْ مَكاَنٍ إلَِى مَكاَن .ٍ.تَحَدَّثَ ناَسٌ ع نَْھا فِي قرَُىً
وبَِلادٍ..تَعاَطَفَ ناَسٌ معََهُ واَسْتغَرَْبَ نَا س .ٌ.وبَغَضَ آخروُنَ تبََدلَُّه .ُ.
حاَوَلَ أبَنْاَؤهُ بِجُھْدٍ إنِْقاَذَ أبَیِھِمْ مِنْ كرَبِْهِ (شِدةَُّ الحُزْن )ِ، لَكنَِّهُ كَانَ
صلَبْاً كَجلُْموُدٍ (صَخرٍْ).
لَمْ يتََخَلَّ الأبَنْاَء عنَْهُ وبعضُ مُخلِْصِیْنَ وأَوَفْیَِاء .َ.صَبرَوا علََى ظلُْمِ
سیَِّدِھِم الحادِثِ ( المُستَْجِدِّ)وتََحَملَّوُا استْبِْداَدَه .ُ.أَماّ ساَئرُِ العُمَّالِ
( بَقیِتَُّھُمْ وأََغلْبَُھُم )ْفَقَدْ رَحلَوُا ھرَبَاً مِنْ ظلُْمِ سیَِّدِھِمْ الَّذي يُحبِوُّنَه،ُ
ورَاَحوا يبَْحثَوُنَ عَنْ مَصْدرَِ رزِْقٍ جَديِدٍ لَھُمْ ولَِأوَْلادَِھِم .ْ.صَبرَوُا زَمنَا،ً
تَحَملَّوا أذًى وَسُخْطا .ً.ولَماّ يئَِسوا مِنْ صَلاَحِ أَمْرِ سَیِّدِھِمْ حَملَُوا
أَمتْعَِتَھُمْ ورََحلَُوا مُضْطرَيِّنَ يَدْعوُنَ ربََّھُمْ أَنْ تَھْدأََ نَف سُْهُ ويَِطیِْبَ
خاَطرِهُُ ويََعوُدَ لِساَبِقِ عَھْدهِِ بَعْدَ زوَاَلِ أَحزْاَنٍ شَحنََتْ (ملأت )قلَبَْهُ
غَضبَاً وَكَمَداً (حزُناً شديداً).
سارَتْ أيَاَّمٌ سیَرَْ سلُْحُفاَةٍ عَجوُزٍ..مَضَتْ ثَقیِلةً ثَقیِلةً..
بَساَتیِنٌ غنَاّءٌ (عاَمرِةٌَ)ومُروجٌ خَضْر اَءُ تحولََّتْ إلى ھَشِیمٍ ( يَابِ سُ
النبَّاَتِ واَلشَّجرَِ).
جَفَّتْ ضرَوُعُ الحیَوَاَنِ وحَلَّ عبُوسٌ وتََجَھُّمٌ مَكَانَ بَسْطٍ واَنْشِراَح .ٍ.
ھوَاَءٌ كئَیِب،ٌ نسیمٌ حزين .ٌ.بَدَتْ أرْضاً مَھْجُورةً مِنْ زَمَن .ٍ.نَضَبَ
الماَءُ ( انْقَطَعَ)، نتََنَ الھوَ اَءُ (فَسَدَ)، تَصَحرََّ الترُّاَبُ الطرَِي .ُّ.لَمْ يَجْسُرْ
أَحَدٌ علََى مُخاَطبََةِ سیَِّدِ القَصرِْ..حتََّى أولادُهُ انْقَطعََتْ صلِتَُھُمْ بِهِ..
وَعنِْدَماَ يرَوَنَْهُ ھادئاً يَعتَْقِدوُنَ أنََّهُ سیََعوُدُ كَماَ عَھِدوُه .ُ.ينَْفَجِرُ برُْكاَناً
غاَضبِاً يَشتَْدُّ ضرَاوةً (وَحْشیَِّةً)وقَسوْةًَ وَجَورْاً (ظلُْماً)..
باَتَ القَصرُْ مرُْعبِاً للناَّسِ جمیعا .ً.لَمْ يعَُدْ ھنُاَكَ مَنْ يلَُوذُ بِهِ ساعَةَ
ضیِْقٍ..كاَنَتْ صیَْحاَتُ رَجُلٍ تَخرُْقُ سَكیِنَْة،ً يتَرََددَُّ صَداَھاَ لیُِجاَوزَِ تِلالاً
ووَِديْاَناً مُجاَورةً.
تنَاَقَلَ ناَ سُ الخبَرَ .َ.حتََّى وَصَلَ إلَِى بِلاَدٍ بَعیِدة .ٍ.إلِى صديقِ طُفوُلَةٍ
وَصبِاَ..صديقُ عَھْدٍ قديمٍ كاَنَ يعَیِ شُ فِي بیَْتِ سیَِّدِ القَصرِْ يوَْمَ كَانَ
طِفْلاً..يوَْمَ كاَنَ وَحیِدُ واَلديَْه .ِ.واَلداهُ اللَّذاَن خرََجا فِي يومٍ عاَصفٍ
لتفقُّدِ صديقٍ مرَيِضٍ فِي بلدةٍ بعَیِدةٍ ولََمْ يَعُودا ..فُقِداَ فِي تلِْكَ
اللیَّلَْةِ..عاَ شَ طُفُولتَُهُ مع صَديِْقِهِ الَّذِي كاَنَ خاَدِماً ونََديِماً ( أنَیِساً).
عرََفَ الرَّجُلُ سبََبَ غَضَبِ صَديِْقِه .ِ.كَانَ يكرهُ الموت .َ.يَكْرهَُ مَوْتَ
مَنْ يُحِب .ّ.خافَ على زوَْجِهِ فَحبََسَھاَ فِي جنَاَحِ محرمٍ كَیْلا تُصابَ
بِسوُءٍْ..لَكِنْ كیَفَ يَختْبَِىءُ إنِْساَنٌ مِنْ قَدرٍَ؟؟؟ وساعةُ الموتِ لا رادَّ
لھا.
ھذا الصديقُ كَانَ أكَبَْرَ مِنْ صَديِقِهِ بِسَنَةٍ أوَْ سَنتَیَْنِ..كَانَ ابناً
لِمزُاَرِعٍ يَعْمَلُ عنِْدَ أبَیِه .ِ.كاَنَتْ لَھُماَ أَحْلاَمٌ كبَیِرة .ٌ.عندما بلََغاَ الفتُوُةََّ
واَلشَّباَبَ غادرََ الصديقُ الطموحُ معْ والدهِِ المُزاَرِعِ إلَِى قرَيْتَِهِ
البَعیِدَةِ..
مَضَى يَعْمَلُ حتََّى بلََغَ مَكاَنةً عاَلیَِةً وأََص بَْحَ غنَِیا مثِْلَ صَديِْقِه .ِ.لَكِنَّ
الصلَِّةَ بیَنَْھُماَ انْقَطَعَتْ لبِعُْدِ المَساَفاَتِ وَمَشاَغِلِ الحیَاَةِ..
عنِْدَماَ وَصَلَتْ أَخبَْارٌ إلِیَْهِ تَذكَرََّ أيَاَّماً خاَلیَِة .ً.أدَرَْكَ سِرَّ مَا أَصَابَ
صديقٌ قديمٌ.
قرَرََّ الصديقُ السَّفرَ إلى قَصْرِ صَديِقِه .ِ.قَررََّ تَرْكَ تِجاَرتَِهِ وزَرِاَعتَِهِ
وأََموْاَلِهِ واَلسَّفرََ برِفِْقَةِ زوَْجِهِ وأَوَْلادَِهِ وَعُمَّالٍ لَه .ُ.أَحَ سَّ بِأَنَّ علَیَْهِ
واَجبِاً علَیَْهِ القیِاَمُ بِه .ِفَقَدْ كاَنَتْ صداقَةُ طُفوُلَةٍ بیَنَْھُماَ مِنْ أرَ وَْعِ مَا
يَحْمِلانَِهِ مِنْ ذكِرَْى..بَلْ كاَنَتْ أَجْمَلَ أيَاَّمِ حیاةٍ..
رأََى أَنَّ واَجبَِهُ الیوَْمَ يَفرِْضُ علَیَْهِ مُحاَولََةُ إنِْقَاذِ صَديِقِهِ مِنْ ظُروُفٍ
صَعبَْةٍ..جَھزََّ قاَفلَِةً كبَیِرةً..أَحْضرََ عُماَّلاً وَمزُاَرِعیِنَ وَخَدَماً..
عنِْدَماَ بلََغَ أَطرْاَفَ ربَوَْةٍ حَذرََّهُ نَا سٌ مِنَ الاقتِْراَب .ِ.فَصَاحِبُ القَصْرِ
غرَيِْبُ الأَطْواَرِ..كَمَا يَقوُلُونْ..تَابَعَ الرَّجُلُ طرَيِْقَه .ُ.لَمْ ينَْصُت
( يَستَْمِعَ)لأحَدٍ..
وَصلََتِ القاَفلَِةُ عنِْدَ منُتَْصَفِ لیَْلٍ...
أَمرََ الرَّجُلُ عُماَّلَهُ ألاَّ يَقتْرَبِوُا مِنَ القَصْرِ وأََنْ يَسْكنُوُا بیُوُتاً مَھْجُورةً
بعیدةً..
بعَْدَ سَاعاتٍ قلَیِلةٍ اسْتَعاَدَ الرِّجَالُ نَشَاطَھُمْ فَخرََجُوا مَعْ طلُُوعِ
الشَّمْ سِ..
توََجَّھوُا نَحوَْ بَسَاتیِنٍ مُحتْرَقَِةٍ ورَاَحُوا يَحْفُ رونَ ويَُقلَبُِّونَ تُرابَ أرَْضٍ
ويَرَُشوُّنَ ماَءً لیَِستْعَیِْدَ رُطوُبْتََهُ استْعِْداَداً لزِرِاَعتَِهِ مِنْ جديدْ..
لَفَتَ ذلَِكَ اھتمامُ أولادُ صاَحِبِ القَصرِْ وَمَا تبََقَّى مِنْ عُمَّالٍ أوَفْیَِاءٍ
فَاتَّجَھوُا نَحْوَھُمْ وَعرَفَُوا قِصَّةَ الر جَُّلِ الصَّديِق .ِ.وفرَِحُوا كثَیِراً
بوُِصوُلِھِمْ وَعَملُِوا معاً لتَِعوُدَ الأرَْضُ كَماَ كاَنَتْ..
ص اَحِبُ القَصرِْ لَمْ يَكُنْ يَخرُْجُ مِنْ قَصرْهِِ إِلاَّ ناَدرِا،ً فَقَدْ أنَْھَكَهُ الحُزْنُ
واَلألََمُ واَلغَضَبُ..وأََصَابَهُ ضَعْفٌ ونَُحُوْلٌ ( نَحاَفةٌ)..كَانَ يَخْتلَِ سُ
( يَسرِْقُ)النَّظرََ مِنْ حیِْنٍ لآخرَ سَعیِداً فِي نَفْسِهِ لِعوَدَْةِ الحیَاَةِ إلَِى
بَساَتیِنِهِ..كاَنَ الصديقُ يَعرِْفُ ماَ تعَنِْي الأرَْضُ لِصَديِقِهِ..
بعَْدَ أيَاَّم .ٍ.بَعْدَ أَنْ انتْعََشَتْ الأرَْض،ُ اقتَْرَبَ الر جَُّلُ مِنْ ناَفِذةَِ غرُفَْةِ
صَديِقِهِ القَديِم .ِ.جلََ سَ تَحْتَ الناَّفِذَة .ِ.صاَرَ ينَْشُدُ أُغنْیَِةٌ قَديِمةٌ كاَنَا
يغُنَیِّاَنِھاَ مَعاً عنِْدَماَ كاَناَ فِي ريَعْاَنِ الشبَّاَبِ ( أوَلَُّهُ وأفَْضلَُهُ):
الأرَْضُ التَِّي نُحبُِّھَا..قِطْعَةٌ ھنَُا..تَحیْا بنِا ونَحیَْا بھا ..ھیَّا بنَِا
نزَرَْعُھا..وإن مَضَتْ أَعْماَرنَُا ..ولََمْ نُعَمرِّْھا ..حیَاَتنَُا سُدًى حیَاَتنَُا
سُدًى كُلُّ يوَْمٍ تَحیْا أرَْضنُاَ بنِاَ ..أرَْضنُاَ التَِّي نَحیَْا بِھَا ..مِنْ أَجلِْھَا ...
ھِيَ مثِلْنََا..تَحیْا من أَجلْنَِا...الأرَْضُ التَِّي نُحبُِّھَا..قِطعَْةٌ منَِّا..
دُھِ شَ صاَحِبُ القَصْرِ مَمَّا سَمِع .َ.صَوْتُ صَاحِبٍ قَديِم؟ٍ؟ صَاحِبٌ
عاَ شَ مَعَهُ سنِیِنَ طوَيِلةً بَعْدَماَ فَقَدَ أبَوَيَْهِ فِي لیَلَْةٍ عاَصِفَة .ٍ. شُعوُرٌ
رَھیِبٌ يوَْمَ فَقَدَ واَلِديَْه .ِ.ذاَكَ شُعوُرُ نَفْسِهِ تَكَررََّ يَوْمَ وفََاةِ زوَْجِهِ
التَِّي يُحِب .ُّ.أَعاَدَ الصَّوْتُ لَهُ ذكِرْيَاَتٍ كثَیِرة،ً أيَْقَظَ فِي نَفْسِهِ أَحْلاَمُ
ماَضٍ بَعیِْدْ..ماَ أَصعَْبَ محنة عنِْدَماَ تتََكرَرََّ مرتین..
الأحد، 17 مايو 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق