الطِّفْلُ الیتَیْمُ
بعَْدَ مضيّ أسبوعٍ واحدٍ على ولادةِ خیرِ الكائناتِ محمد رسول الله
، انتظرَتْ أمّهُ آمنةُ بنتُ وھب المراضِعَ من قبیلةِ بني سعد،
لتَدفْعََهُ إلى إحداھن، لتِرُْضِعَهُ وتھتمّ به،ِ وكانتْ ھذهِِ من عادةِ
قبائلِ أشرافِ العرب،ِ الذينَ يبعثونَ أبناءَھم إلى الباديةِ في الیومِ
الثامنِ من وِلادتِھِم، ثم لا يعودونَ إلى بیوتِھم حتى يبَلُْغوا الثامنة
من عمرھم.
وتأخرّتِ المراضعُ عن الوقتِ المحدّد لَھُن،ّ فتطوّعت ثوُيَبَْة،َ جاريةُ
عمّهِ أبي لھب، وھو من وُجَھاَءِ قُري شٍ وَسَادتَِھا، وراحتْ ترُْضِعُه،ُ
وترُْضِعُ مَعَهُ عَمّه حمزة، وكان قد ولُِدَ في العامِ نفسه مع رسولِ
اللَّهِ .
وبعدَ مدةٍ وجیزَة،ٍ وصلتْ مراضعُ بني سعد إلى مكّة المكرّمة،
وكنّ يتََساَبَقْنَ إلى ضمِّ أبناءِ الأَغنْیِاَء،ِ لیأخذُنَ المالَ الوفیرَ مقابِلَ
العنايةِ بھم، بینما كنّ يعَرِْضْنَ عن رسول الله لأن يتیمٌ فقیرُ الحال،ِ
وأمّهُ لا تملكُ من المالِ الكثیر.
فأخذتْ كلُّ مرُْضِعَةٌ منھنَّ ولداً وبَقیَِتْ واحِدَة لم تحظَ بولدٍ من أبناءِ
الأثَرْيَِاء،ِ وكانتْ ھذهِ المرضعةُ تُدْعَى حلیمة السعدية، وھي
سیدةٌ كريمةٌ طیبةٌ مشھورةٌ بین قومِھَا بالصدقِ والوفاء،ِ فقالت
لزوجھا:
واللَّهِ أنَِّي أكرهُ أَنْ أرجعَ معْ صُويَْحبَاَتِي ولم آخذْ رضیعا،ً واللَّهِ
لأذھبنَّ لمحمدِ بنِ عبدِ المطلّب الیتیم وَلآخِذنَّهُ.
فوافق زوَجُھا الحارثُ بن عبد العزى على قرارھا وقال لھا :خُذيه،ِ
عسى أنْ يَجعلَ اللَّهُ لنا فیه برَكََة.
وھكذا يا أصدقائي أَخَذَتْ حلیمةُ ھذا النورُ والرحمةُ والضیاء،ُ فكانَ
حظَّھا عظیماً أنْ تربِّي خیرُ البشرِ وأفضلَ الخ لَْقِ بین يَديَْھا بِضعَ
سنین.
وبعد أنْ وَصلََتْ حلیمة ومعََھا ھذا الطفلُ الذي أَضاءَ الدنیا بنور
الإسلامِ والإيمانِ حَدثََتْ أمورٌ غريبة،ٌ فبعد أنْ كانتَ حلیمةُ فقیرة،ً
وتملكُ أغناماً ضعیفة،ً سَمنَِتْ الأَغنْاَم،ُ ودرَّ لبَنَُھاَ بكثَْرة، وباركَ اللهُ
لھا في كلِّ ما عندھا.
وكیف لا يحدثُ ذلك،َ وقد أنَعمَ اللَّهُ علیھا بھذا الشرفِ العظیم،ِ
وھذا العملُ الذي تغَبْطُھاَ علَیهِ الملائكةُ.
وقَضى رَسوُلنُا علیهِ الصلاةُ والسلامُ عامیَْن كاملِیَْنِ في الصحراء،ِ
ترُْضِعُهُ حلیمةُ السعدية، وتََخْضِنُهُ ابُنْتَُھا الش یماء،ُ وبعدَ عامینِ
عادتْ بهِ حلیمةُ إلى أُمِّهِ آمنة فأَرَْجعَتَْهُ أُمُّهُ إلیھا حتى يكونَ فِي
صِحّةٍ أفَضلَ ويكبرُ قلیلاً في أَجواءِ الباديةِ الصافیة.
ونعلمُ يا أَصْدقِائي من قُصَصِ السیِّرةِ الشريفةِ أنّ رسولَ اللَّهِ وبعدَ
أن أتََمَّ مِنَ العمرِ ثلاث سنوات،ٍ وبینَما كانَ يلعبُ خلفَ بیوتِ بني
سعدٍ وخیامِھِم وكان معََهُ أخوهُ مِنَ الرِّضَاعِ وَھُوَ فِي مثِْلِ سِنِّه،ِ
فجأةً رَكَضَ الطِّفْلُ مُسْتنَْجِداً بحلیمة :أخي محمدٌ أخذهُ رَجُلانِ
علیھِماَ ثیابٌ بیض،ُ فأَضْجَعاَهُ فَشَقاَ بَطنَْهُ ورَاَحاَ يُقلَبِّاَنِهِ.
« تقصدُ زوجَھا الحارث » :ُ تقولُ حلیمة:خرجتُ أنا وأبوهُ نحوهَ
فوجدناهُ قائماً سلیما،ً ولكنّه أصفرُ اللون،ِ فقلتُ له :ُما لكَ يا بني؟
فقالَ رسولُ اللَّهِ :جاءنَي رجلان يا أمّاه،ُ علیھِمَا ثیابٌ بیض،ٌ
فأَضْجَعاَنِي فَشَقاَ بطني، فالتَمَساَ فیهِ شیئاً لَمْ أَدرِْ ما ھو.
فَخاَفَتْ حلیمة، وحَملَتَْهُ فوراً إلى مكّة ولكنّ أمَّهُ آمنةُ أعادتْهُ إلیھا
بعدَ أنْ اطمأنّتْ علیهِ.
وقضى رسولُ اللَّهِ خم سُ سنواتٍ ترعاهُ حلیمة وتَھتّْمُ به، وبعدَ أن
وكانَ اسْ مُھاَ » رَجِعَ إلى مكّة، أَخَذتَْهُ أمُّهُ إلى المدينةِ المنورةِ
لیِرَاَه أخوالُ جَدِّهِ مِنْ بنَي النَّجاَّر. « يثَرْب
وقالتْ لهُ:ھذا ھو البیتُ الذي ماتَ فیهِ أبوك،َ وھنا دفُِنَ.
عند ذلَكَ صَمَتَ رَسوُلُ اللَّهِ وقد غاَلبََهُ حزنٌ شديد،ٌ فَخَفَفَتْ عنهُ
أُمُّه،ُ ومَسَحَتْ على رأسِه،ِ فتَبََسَّمَ وذھبَ عنهُ الحزنُ.وظلّ
رسولُ اللَّهِ مع أمِّه شھراً كاملا،ً وعندما أرادت العَوْدةُ إلِى مكّة،
وفي طريقِ العودة،ِ مرَِضَتْ آمنة، وأَصبَْحَتْ غیرُ قادرةٍ على الكلام،ِ
ولمْ تمضِ أيامٌ حتى ماتَت .ْبكى رَسوُلُ اللَّهِ وبكى كلُّ من عَرَفَ
قِصتَُّه،ُ لقدْ أصبحَ محمدٌ محروماً من الأمِّ والأَبِ.
ولكنَّ اللَّهَ لمْ يتركَ ھذا الصبيُّ الصغیر،ُ فآواهُ وھداه،ُ حتى أصبحَ
ھادياً للبشريّةِ جمعاءُ.
الصلاةُ والسلامُ علیكَ يا رسولُ اللَّهِ ، ففي قصَّتِكَ موُاَساة، لِكُلِّ
أيتامِ الأرض،ِ ولكلِّ مصیبةٍ مِنْ مَصاَئِبِ الدنُّیا.
الأحد، 17 مايو 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق