الأحد، 17 مايو 2009

قصة أين ينتھي البحر

أين ينتھي البحر
كاَنَ عَقلِْيَ الصَّغیرُ يوُھِمنُي أنَّ البحرَ ينَتَْھِي عنِْدَ منُتَْھَى النَّظَر،ِ
وكنتُ أظنُ واھماً أنّ الشم سَ وقتَ المغیبِ تغسلُ وجھَھَا بماءِ
البحر،ِ وتستريحُ بعدَ ذلكَ منْ عناءِ عملِھا طوالَ النھارِ فتنامُ لیلاً
حتى مطلعِ الفجرْ...
اعتقدتُ طويلا،ً ولمْ أسألَ الناسَ متحققاً منْ صحةِ اعتقادي، ربما
كَیْلا تدوسھا «ِ المتحمِّسَة » لأنني أحبُّ دائماً الاحتفاظَ بخیالاتي
خیولُ الحقیقة .ِ.اعتقدتُ واھماً أيضاً أنّ خط نھايةِ البحرِ
الوھميّ في عقلي يسكنُ سداً صلبا،ً يحول دونَ تسرُّبِ الماءِ منَ
البحرِ فلا يتحوّلُ إلى وادٍ سحیقٍ عمیق .. سداً يقفُ كالجبلِ
الشامخ،ِ يحجزُ الماءَ عنْ تدفقهِ...
ظننتُ أنّ العالمَ ينتھي عندَ ھذهِ النقطة .ِ.وأنّ الماءَ لو تسرَّبَ منْ
فجوةٍ ما لَساَلَ في الفضاءِ..
ياااه..يا لهُ من خیالٍ مضحكٍ..
..« الحقیقة » ومعْ ذلكَ لمْ أكنْ أريدُ تغییرَ
«َ البحر » لكني اكتشفتُ غصباً عني أنّ الأحلامَ شيءٌ و
شيءٌ آخر..
عنِْدَما اُصْطَحبَنَِي أبي برحلةٍ بحريةٍ بإلحاحٍ شديدٍ مني ..نظرتُ
إلى بعیدٍ بعیدٍ.
وكلما أوغلتْ السفینةُ في أعماقِ البحر؛ِ ابتعدَ السدُّ الوھ ميّ
عني حتى كادَ يتلاشى..وكنتُ أظننُّي أقتربُ منهُ.
..« الحقیقة » لمْ أجرؤْ على البوحِ بھذا الوھمِ
وددتُ الصرُّاخَ بأعلى صوت .ٍ.آمرُ البحاّرةَ بأنْ يقودوا السفینةَ نحوَ
..« السدِّ »
كانتْ ضرباتُ قلبي تشتدُّ بارتفاعِ السفینةِ وھبوطِھا..
صعدتُ إلى أعلى مكانٍ في السفینة .ِ. ساعدني أحدُ البحّارةِ
لأصلَ إلى منارةِ السفینة .ِ..أعطاني منظاراً كبیرا .ً.اعتقدتُ أخیراً
أني سأشاھدُ نھايةَ البحر ..اعتقدَ البحاَّرُ أنني سعیدٌ بما أراهُ من
بحرٍ عظیم .ٍ.صرتُ أبحثُ في كلِّ اتجاه .ٍ.أبحثُ عن نھايةِ البحر،ِ لا
عن ھیبتِهِ وجلالِهِ..
تخیلّتُ في عقلي الصغیرِ كیفَ يمكنُ للبحرِ أنْ يتجمَّدَ في نقطَةٍ
ما من الأرض،ِ ويصبحُ صلباً كالصخرِ..
وفیما بعدُ اكتشفتُ وھمَ طفولتي..أحلامُ نھاياتِ البحرِ..
وحزَنِْتُ عنِْدَماَ اكتَْشَفْتُ:برَاَءةَ الأحْلامِ من حقیقتِھاَ..
لكنَّ بعضَ أحلامي الطفولیةِ تحقّقَتْ..
رضیتُ من بقايا الطفولةِ الساحرةِ..
علمتُ أنّ في الأرضِ قطعاً من بحرٍ متجمدٍ..
رأيتُ بعینيّ كیف يصبحُ البحرُ جامداً كالصخر (حقاً حقاً)؟.
عرفتُ أنّ ھناكَ مناطقُ شاسعة متجمدةً تماما .ً.وأنّ الحرارةَ عندَ
طرفَيْ الأرضِ في شمالِھا وجنوبھا وما يحیط بنقطةِ ارتكازِھا التي
نراھا في مجسّماتٍ أرضیّة، تھبطُ بشكلٍ مخیف،ٍ ويصبحُ میزانُ
الحرارةِ دائماً تحتَ الصِّفرْ بعشراتِ الدرجاتِ..
رأيتُ كیفَ يصبحُ ھذا البحرُ الھادرُ قطعةً مِنَ الأرضِ..؟
وكیفَ يسیرُ النا سُ بمراكبٍ متزحلقةٍ تجرُّھا كلابٌ فوقَ ماءٍ
متجمِّدٍ..
..« البحر » وھناكَ يحفرُ صیاّدون
نعمْ..
يشقوّنَهُ بفأسٍ أو منشار،ٍ لا لیِغَرُْسوا شجرةً بلْ لیِرَْموا خیوطَ
صیودھمِ الدقیقةِ وفي رأسِھا حديدةٌ مسننةٌ علیھا شريحةُ سمكٍ
شھیّة، تجذبُ رائحتُھا الأسماكَ منْ أعماقِ بحرٍ متجمّدٍ في
قمتّهِ.. سائلٌ في قعرهِ..
تخیلّتُ في عقلي الذي ما زالَ يحلُم كیفَ يستقرُّ الجامدُ
فوقَ متحرك؟ِ
وكیف يحفظُ الباردُ الدافىء؟ْ
ويثبتُ ناسٌ ويسیرونَ بھدوءٍ وسكونٍ واطمئنانٍ فوقَ جلیدٍ يخفي
أمتاراً من أعماقِ مائیةٍ متحركةٍ..
دھشتُ أكثرَ عندما رأيتُ جبالاً بیضاءً..جبالاً ناصعةً..
ودھشتُ أكثرَ وأكثرَ عندما علمتُ أنّ ھذهِ الجبالُ الضّخمةُ لیستْ
سوى قمماً لجبالٍ مخفیةٍ..
وأنّ ما في البحرِ منھا ما ھو أضخمُ بمراتٍ مِنْ قِمَمِھا الظاھرة..
ولاحظتُ أنّ سكانَ القطبِ المتجمِّدِ بیوتُھم من صخرٍ مائيٍّ
متجلّدٍ..وكذلكَ أثاثُ بیوتِھمْ..
عجبتُ كیفَ أنّ بیوتَھم ھذهِ مصنوعةٌ مِنْ قطعِ ثلجٍ مرصوصةٍ بِدقِّةٍ
بالغة،ٍ وبطريقةٍ عجیبة،ٍ تجعلُ البیتَ دافئاً من الداخل،ِ فلا يتسلَّلُ
بردٌ إلى ساكنیه .ِ.وكأنّھمْ يردِّدونَ قولَ الشاعرِ العربيِّ القديم :ِ
وداونِي بالتي كانتْ ھي الداءُ...
درستُ في مدرستي بعد ذلكَ أنّ السّحبَ العظیمةَ التي نراھا
عادةً في فصلِ الشتاء،ِ عبارةٌ عن ماءٍ متجمعٍ في طبقاتِ الجوِّ
العلیا..
تنقلَهُ الرياحُ إلى حیثُ أَمرََھا اللَّه .ُ.لتُسْقِطَ ماء .ً.يبقى على حالهِ
أو يتحوَّلُ برداً أو ثلجاً..
أدركتُ أشیاءَ كثیرةً لم أكنْ أعرفُِھا..
وعلمتُ أنّ الھواءَ الذي يدخلُ في رئتيّ يحوي ھو أيضاً كمیةً
كبیرةً من ماءِ..
وأنّ جسمي الذي أعی شُ فیه كانَ في الأصلِ ماءً وتراباً..
ذھبَ الترابُ بأصلهِ وشكلهِ وبقيَ الماءُ المتغلغلُ في تفاصیلِ
الجسدِ..منْ لحمٍ وعظمٍ ودمٍ..فلا توجدُ خلیةٌ حیةٌ بغیرِ ماءٍ..
وھذا يعني ،«ُ ذھبَ ماؤه » :َ وقد كانَ العربُ قديماً يقولونَ لمنْ مات
أنّ الماءَ سرُّ الحیاةِ..
ألمْ يقل اللَّهُ تعالى: { وجعلنا من الماء كل شيء حي }؟
وعلمتُ أنّ الماءَ ھوَ الحیاةُ نفسھا..
حتى الدماءَ التي تسري في أنحاءِ الجسمِ إذا جفَّتْ وذھبَ ماؤُھا
لا يبقى غیرُ ذراتٍ حمراءٍ باھتةً اللونَ..
وكنتُ ألاحظُ ذلكَ إذا جرحتُ نفسي أثناء لعبي مع أقراني الصغار..
ومثل ھذا عصائر الفاكھة، لو تركتُ في كأس عصیراً حتى جفَّ
تماماً لماَ بقي غیرُ بقايا ملونةٍ في قعر الكأس..
وقد لاحظتُ أن أمي تضیفُ إلى الحلیبِ المجفَّفِ أضعافاً من
حجمهِ ماءً لیصبحَ حلیباً سائلاً أشربُهُ..
وعلمتُ أنّ الإنسانَ يستطیعُ البقاءَ حیا أسابیعَ طويلةً من دونِ أنْ
يأكلَ لقمةً واحدة،ً لكنّه يموتُ إذا لم يشربْ ماءً لأيامٍ قلیلةٍ وربما
لساعات،ٍ كما أنّ الإنسانَ يستطیعُ أن يحیا على لُقیَماتٍ بسیطةٍ
طوالَ عمر ه لكنه لا يستغني عن كمیةٍ وافرةٍ من الماءِ لیشربَھا
يومیاً..
ورأيتُ المريضَ الذي لا يستطیعُ تناولَ الطعامِ والشرابِ يقومونَ
بحقنهِ بمصلٍ في شرايینه،ِ وھذا المصلُ عبارةً عن ماءٍ وبعضُ
المغذياتِ..
ورأيتُ أيضاً حرِْصَ النا سِ الشديدِ على الماءِ في البلادِ التي لی س
بھا ينابیعٌ وأمطارُ..
رأيتُھمْ كیفَ يصنعونَ من ماءِ البحرِ المالحِ ماءً حلواً طیبَ المذاقِ..
رأيتُ الینابیعَ على أنواعِھا..
الصافي الباردُ الرقراق،ُ الفواّرُ الحار،ُّ المعدنيُّ الأحمرُ مثلَ حديدٍ
مھترىءٍ..
علمتُ أنَّ في أعماقِ البحرِ ينابیعُ كثیرة، وف ي جوفِ الأرضِ أنھاراً
لا تُعَد،ُّ وفي الجبالِ بین الصخورِ مخابىءُ میاهٍ عجیبة..
لم أكنْ لأصدِّقَ أنَّ میاهَ البحرِ التي أراھا واحدةً متصلةً قد تكونُ
في بعض الأماكنِ من البحارِ أو المحیطاتِ میاھاً متعددة .ً.وبحاراً
منفصلةً..يحدُّھا جدارٌ مائيٌ وھميٌّ حقیقي ،ٌّ لا يمكنُ للعینِ أنْ
تراهُ بوضوحٍ..فالمیاهُ متلاصقةٌ متلاحمة،ٌ ولھذا أسماكٌ ولذلك
أسماكُ..للأولِ حرارةٌ وللثاني حرارةٌ مختلفةٌ..ومواصفاتٌ
مختلفةٌ..
لم أصدقْ كما قلتُ في أولِ الأمرِ..ولكنّھا حقیقةٌ أقربُ إلى حلمٍ..
وعلمتُ أن الكرةَ الأرضیةَ ھي في الو اقعِ كرةٌ مائیة .ٌ.فالماءُ يشكِّلُ
أكثرَ من ثلُثَُيْ الأرض .ِ.والیابسةُ لیستْ سوى جزيرةٍ تشكِّلُ الثلثَ
فقطْ أو أقلّ..
فأدركتُ أنَّ الماءَ ھوَ الذي يحملُ الأرضَ ولیستْ الأرضَ ھي التي
تحملُ الماءَ..
وعرفتُ أنّ عمقَ الأرضِ يسیلُ..وأنّ الیابسةَ تسبُح على بحرٍ
ملتھبٍ..يخرجُ إلینا من حینٍ لآخرَ من فوھاتِ براكینٍ نراھا في
العالمِ..
ورأيتُ أيضاً أنّ البحرَ في حقیقتهِ ثائرٌ..لا كما يبدو ھادئاً وديعاً..
وقد شاھدتُ وشاھدَ العالمُ مثلي ما حدثَ في شرقِ
آسیا الجنوبي يوم اكتسحَ الماءَ أعالي الجبال،ِ في مشھد قلّما
يتكررَّ،ُ سمِّي حینھا بكارثةِ تسونامي..
ورأيتُ فیضاناتٍ عجیبةٍ في الفلبین وسیريلانكا والھند وأعاصیرُ
ھوجاءَ في أنحاءٍ متفرقةٍ من العالم،ِ حیثُ تنقضُ رياحٌ مصحوبةٌ
برعودٍ ومیاهٍ جارفةٍ تتركُ الأرضَ خراباً ودماراً..
لی سَ ھذه فقطْ..
بلْ علمتُ أنّ ماء في زمنٍ بعیدٍ بعیدٍ تحوَّلَ إلى فضاءٍ أغرقَ الأرضَ
كلَّھا ولمْ يبقَ غیرُ سفینةٍ واحدةٍ علیھا بعضُ أجدادنا المؤمنینَ
الذينَ أبقوا على الأرضِ بشرا،ً ولولاھم لغرقَ الناسُ جمیعا،ً كما
تقولُ قصةُ النبي نوح علیه وعلى نبینا السلام...
وبعد ذلكَ كلهِ..ما زلتُ أحلمُ بأنّ للبحر آخراً..
ركبتُ سفناً وقطعتُ بحاراً من شطآنٍ إلى شطآنٍ..
لكني ما زلتُ أحلمُ بأنّ للبحرِ نھايةً..
لكن، أينْ ينتھي البحر؟ُ؟ ما زلتُ أحلمُ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق